محمد جواد مغنية

237

في ظلال نهج البلاغة

( أيها الناس انه لم يزل أمري معكم على ما أحب ) . كنتم صفا واحدا على حرب أهل الشام ، كما أحببت وأردت ، ومضيتم في قتالهم على هدى وبصيرة مختارين لا مكرهين ، ولما اشتدت نار الحرب وهنتم وتخاذلتم ، وتفرقت كلمتكم . . أبهذا تكيدون عدو اللَّه وعدوكم ( وقد واللَّه أخذت منكم وتركت ) . أجل ، لقد استشهد منكم في هذه الحرب من استشهد كأية حرب من الحروب ، ولكن بقي منكم ما فيه الكفاية وزيادة ، فامضوا في الجهاد قدما حتى النصر ، وما هو منكم ببعيد ( وهي لعدوكم أنهك ) أي نالت الحرب منه أكثر مما نالت منكم . ( لقد كنت أمس أميرا ) تسمعون لي وتطيعون قبل حرب صفّين ( فأصبحت اليوم - أي بعد الحرب - مأمورا إلخ ) . . كان الإمام ينصح أصحابه ، ويرشدهم سواء السبيل ، ويدع الخيار لهم فيما يرون ، وقد نهاهم عن قبول التحكيم ، وبيّن لهم ان رفع المصاحف حيلة وغيلة ، فأصروا على الضلال ، وسكت هو دفعا للضرر الأشد بالضرر الأخف . وسبق الكلام عن ذلك مرارا ، منها في الخطبة 120 . ( وقد أحببتم البقاء ) وما أحب الحياة قوم إلا ذلَّوا ( وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون ) لأن الجهاد فريضة كالصلاة وعلى الانسان أن يؤديها بملء إرادته . بالإضافة إلى أن القتال بلا ايمان وقناعة لا يحقق الغرض المطلوب ، وربما أدى إلى عكسه . وهذه هي سيرة رسول اللَّه ( ص ) في جميع حروبه ، ينادي مناديه بالحرب ، فمن استجاب لها فقد استجاب للَّه ورسوله ، ومن تخلف عنها وأعرض فحسابه على ربه : * ( « يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ ا للهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ ) * - 64 الأنفال » .